26 - 03 - 2026

قطرات من مداد في بحر من دماء! | القطرة الثالثة: مصر أولاً: بين الشعار والإستراتيجية (١/٣)

قطرات من مداد في بحر من دماء! | القطرة الثالثة: مصر أولاً: بين الشعار والإستراتيجية (١/٣)

مرة أخري يرتفع شعار "مصر أولاً" ، ويثير النقاش وتحتد الآراء في الجدل، وقد ازدادت حدة هذا النقاش مؤخراً علي هامش الحرب الدائرة الآن ضد إيران والتي يشنها تحالف بين ترامب ونتنياهو، وخاصة عندما قامت إيران بتوجيه ضربات قوية متتالية ضد القواعد الأمريكية المنتشرة في أغلب دول الخليج العربي / الفارسي، حيث تساءل بعض الكتاب في الخليج عن "الموقف المصري" علي ضوء العبارة الموجزة "مسافة السكة"، علي إعتبار أنها كانت وعداً رئاسياً مصرياً لا يجوز النكوص عنه، ومن ناحية أخري توالت ردود بعض المصريين تفند تلك المطالبة، وتستنكر وجود القواعد الأمريكية التي استدعت الهجوم الإيراني عليها، ووصلت بعض المبادلات / المبارزات إلي حد الإهانة والمعايرة من الجانبين، بل ووصل إلي الإنكار المتبادل بين الطرفين، حيث ادعي البعض في الخليج أنهم لا ينتمون إلي عالم عربي "لا يهش ولا ينش"، ولا فائدة له فرادى وجماعات، وأن دول الخليج عليها أن تبحث عن أمنها الوطني مع أطراف غير عربية، ومنها "إسرائيل"، فنهض بعض المصريين بدورهم ساخرين من الإطار العربي، وخاصة خليجه الثري الذي أعاد الإستعمار الغربي للمنطقة، ونادي هذا البعض بضرورة أن تكتفي مصر بشعار "مصر أولاً"، وتتمتع بـ"عزلتها السعيدة" بعيداً عن أي التزام تجاه شعوب الإقليم المختلفة، وبدأوا في التنظير العميق علي الضفتين!.

وقبل مناقشة تلك الإدعاءات المتبادلة، قد يكون من المناسب الإبحار لبعض العمق بحثاً عن لآلئ المعاني التي غاصت بين أمواج عاصفة ترغي وتزبد..

وربما يتطلب الأمر أكثر من مقال، ولكنه يستحق في تقديري، وهو ما سوف أحاوله الآن، مبتدئاً بالتعاريف الضرورية لفتح أبواب النقاش بشكل علمي وحضاري.

ولنبدآ سوياً بطرح مفهوم "الدولة القومية"، بإعتبارها محل الجدل البيزنطي الشوفيني الذي اشتعل أواره، وكل يغني من ديوان الحماسة لقبيلته! ..

ظهر مفهوم الدولة الوطنية (Nation-State) تدريجيًا في أوروبا الحديثة، حيث لم يظهر كفكرة جاهزة في لحظة واحدة، بل تشكّل عبر قرون، ويمكن تتبّع نشأة الدولة الوطنية في محطات رئيسية كما يلي:

1. ما قبل الدولة الوطنية (العصور الوسطى) كان النظام السياسي في أوروبا قائمًا على ما يلي :

• إمبراطوريات واسعة.

• إقطاعيات محلية .

• سلطة دينية قوية (الكنيسة).

ولم تكن هناك حدود وطنية واضحة أو ما يمكن أن نطلق عليه  مفهوم “أمة = دولة”.

2.  لحظة التحول الكبرى عام  1648:

يُعتبر توقيع صلح وستفاليا Peace of Westphalia  في ذلك العام هو البداية العملية لنظام الدولة الوطنية الحديث.

فقد تضمن هذا الاتفاق:

• إنهاء حرب الثلاثين عامًا في أوروبا.

• ترسيخ مبدأ سيادة الدولة داخل حدودها.

• الحد من تدخل الإمبراطوريات والكنيسة في شؤون الدول.

ومن هنا بدأ يتكون شكل “الدولة السيادية المستقلة”.

3. القرنان الثامن والتاسع عشر شهدا  تشكّل “الأمة” في هذه المرحلة، خصوصًا مع:

• الثورة الفرنسية .

• وصعود القومية الأوروبية.

واتضح الربط بين عناصر ( شعب + لغة + ثقافة + حدود )= دولة .

وهكذا باختصار تبلور مفهوم “الدولة الوطنية” بالشكل المعروف اليوم.

وقد وفرت الدولة الوطنية المميزات التالية:

1) الاستقرار السياسي النسبي، من حيث وجود حدود وسيادة واضحة يقلل من الفوضى والصراعات الداخلية بين السلطات المتعددة.

2) تعزيز مفاهيم  الهوية والانتماء الوطني ، حيث يتم توحيد المواطنين حول بعض العناصر ومنها:

• لغة مشتركة .

• رموز وطنية.

• تاريخ مشترك.

3) بناء مؤسسات قوية مثل:

• جيش وطني .

• نظام قانوني موحد.

• إدارة مركزية فعّالة.

4) التنمية الاقتصادية لأن وجود دولة موحدة يسهل:

• الضرائب .

• التخطيط .

• البنية التحتية .

إلا أنه تجدر الملاحظة بأنه من عيوب الدولة الوطنية كما ظهرت في التطبيق كانت كما يلي :

1) إقصاء التنوع الداخلي من حيث أن الدولة الوطنية تفترض غالبًا “أمة واحدة”، بما قد يؤدي إلى:

• تهميش الأقليات .

• صراعات هويات داخلية .

2)  صعود القومية المتطرفة تتحول في بعض الحالات إلى:

• قومية عدائية.

• نزاعات مع دول أخرى.

كما حدث في أوروبا قبل الحربين العالميتين الأولي والثانية.

3) خلق الحدود المصطنعة أحيانًا خصوصًا في الدول حديثة التكوين، حيث لا تتطابق الحدود مع الواقع الثقافي أو القبلي أو التاريخي (مثال سايكس / بيكو ، وإنشاء إسرائيل).

4)  تضييق الانتماءات الأوسع مثل:

• الانتماء الإقليمي .

• أو الإنساني العالمي .

وهو ما يخلق ما يمكن أن نطلق عليه: "شرنقة وطنية مغلقة"، ما قد يؤدي إلي  صدام بين “المصلحة الوطنية” و“المصلحة الدولية”.

ولكن في التحليل الأخير يمكن القول بأن الدولة الوطنية هي نموذج ناجح في تنظيم السلطة الحديثة، لأنها علي الأقل:

• ضبطت الفوضى السياسية القديمة، والتي أدت إلي تفاقم الحروب والصراعات .

• وقامت ببناء مؤسسات قوية .

فإذا كان ما تقدم بإختصار هو مفهوم الدولة الوطنية (Nation-State) في النموذج الغربي ، فهل هو نفسه في الشرق الأوسط ، أم أن هناك  فروقاً جوهرية بين النموذجين؟، رغم أن الشرق الأوسط قد استورد هذا المفهوم الأوروبي المنشأ، أو فرض عليه بعد الحرب العالمية الأولي. وهذا ما نأمل أن نوضحه في طريقنا للبحث عن معضلة هذا المفهوم في إطار الجدل المحتدم حالياً، حيث سوف نحاول في قطرة المداد التالية أن نفكك التطبيق في الشرق الأوسط بقدر من التفصيل، مع التركيز لاحقاً علي تطوره في الحالة المصرية .
---------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق


مقالات اخرى للكاتب

قطرات من مداد في بحر من دماء! | القطرة الثالثة: مصر أولاً: بين الشعار والإستراتيجية (١/٣)